محمد كرد علي

165

خطط الشام

ولا ينكر أن مادة البناء قد تختلف في بلد عن آخر . وقد كان الاعتماد في تلك القرون على الحجر الصلد ، وفي دمشق عدة مقالع جميلة منوعة منه كما في حلب ، ولم يكثر الآجر والطوب والخشب إلا في القرون الحديثة ، ولذلك لم تخرب المدارس الدمشقية لعدم متانة في بنائها ، فإن الأمثلة الظاهرة منها إلى اليوم لا تجعلها تختلف في شيء عن مدارس حلب . ولكن القائمين على هذه المدارس في هذه المدينة كانوا يعتدلون في العبث بها ، ومتانة الأخلاق من جملة ما امتاز به الحلبيون ، يضاف إليها حب الاحتفاظ بتراث الأجداد على صورة كانت ظاهرة في قرون الارتقاء ، كامنة في عصور الشقاء والرجوع إلى الوراء . والناظر إلى مدارس دمشق وحلب وهي لا تقل عن ثلاثمائة مدرسة ، منها زهاء مائتين في دمشق يدرك أنها من عمل السلاطين والعمال وقليل من التجار وأهل الخير . وكان منهم من يتوخى منها أن تكون توليتها لبنيه من بعده ليعيشوا منها إذا صودرت أملاكهم . بنى قليل من التجار المدارس لأن الشعب كان يفنى في أغلب العصور في كبرائه ، فلم يكن شأن في مظاهر النعمة والغبطة مدة قرون لغير أرباب الدولة أو من كان يعد في جملتهم ، وكان الناس يحاذرون أن تنشأ لهم شهرة في الثروة ، والثروة تتجلى في الدار والفرش والدابة واللباس ، وفي بذل المال لإقامة دور العلم وإيواء اليتامى والمحاويج ، فكانوا يتظاهرون بالفقر لينجوا من مخالب العمال . وقلّ أن رأينا جماعة اتفقوا على إقامة عمل من هذا القبيل يفتخر به اللهم إلا قليلا من المساجد ، ولو فعلوا لأمنت أعمال الجماعات من اعتداء المعتدين أكثر من عمل الأفراد ، ولما استصفيت واستحل هدمها ، ولا غير خططها ومعالمها من لا يخافون اللّه ولا عباده ، ولجاءت ممثلة للعظمة الحقيقية في الأمة ، على نحو ما قامت البيع والأديار والمدارس في الغرب ، بإرشاد رجال الدين من كرادلة وأساقفة وقساوسة ، فكانوا يجمعون قليلا من صدقات الملوك والأغنياء والفرسان والشعب ، فيجيء مجموعها عظيما يدار بأيدي هيأة منظمة على كل حال ، ويختطون خطة لا يخرج عنها الخلف إلا قليلا . للأثر القديم من الموقع في النفس ما ليس للأثر الحديث ، فإن الأول